جيرار جهامي ، سميح دغيم

1051

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

والحضارة إنّما هي تفنّن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله ؛ فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنّق فيه تختصّ به ويتلو بعضها بعضا ؛ وتتكثّر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعّم بأحوال الترف ؛ وما تتلوّن به من العوائد ، فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة ؛ لضرورة تبعيّة الرفه للملك . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 548 ، 14 ) . - إنّ الحضارة هي أحوال عاديّة زائدة على الضروريّ من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرّفه وتفاوت الأمم في القلّة والكثرة تفاوتا غير منحصر . وتقع فيها عند كثرة التفنّن في أنواعها وأصنافها ، فتكون بمنزلة الصنائع . ويحتاج كل صنف منها إلى القومة عليه والمهرة فيه . وبقدر ما يتزيّد من أصنافها تتزيّد أهل صناعتها ، ويتلوّن ذلك الجيل بها . ومتى اتّصلت الأيام وتعاقبت تلك الصناعات حذق أولئك الصناع في صناعتهم ، ومهروا في معرفتها . والأمصار بطولها وانفساح أمدها وتكرير أمثالها تزيدها استحكاما ورسوخا . وأكثر ما يقع ذلك في الأمصار لاستبحار العمران وكثرة الرّفه في أهلها . وذلك كله إنما يجيء من قبل الدولة . لأنّ الدولة تجمع أموال الرعيّة وتنفقها في بطانتها ورجالها ، وتتّسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتّساعها بالمال فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخرجها في أهل الدولة ثم فيمن تعلّق بهم من أهل المصر ، وهم الأكثر . فتعظم لذلك ثروتهم ، ويكثر غناهم ، وتتزيّد عوائد الترف ومذاهبه ، وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه . . . وهذه هي الحضارة . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 883 ، 17 ) . - إنّ الحضارة هي النهاية في أكمل العمران الخارج به إلى الفساد ، والغاية في الشر البعيد عن الخير . ومن سلم من ذلك فلا خفاء في قربه من الخير . قلت : ومع ذلك ، فللحضري من الفضل على البدويّ ما لا يخفى . ( ابن الأزرق ، طبائع الملك 1 ، 73 ، 10 ) . - إنّ الحضارة غاية للعمران ومؤذنة - بفساده لنهاية عمره . وذلك - لما تقدّم - أنّ الملك غاية للعصبية ، والحضارة غاية للبداوة ، والعمران كله - من بداوة وحضارة وملك وسوقة - له عمر مخصوص ، كما لأشخاص المكوّنات . والأربعون للإنسان غاية في تزايد قواه ، عندها تقف الطبيعة عن ذلك برهة . ثم تأخذ في الانحطاط . ( ابن الأزرق ، طبائع الملك 2 ، 777 ، 19 ) . * في الفكر الحديث والمعاصر - « الحضارة » الأصل في معناها سكنى المدن أي ضدّ البداوة . فلما تحضّر العرب ، وكثر الترف في مدنهم ، صار معنى الحضارة عندهم « التفنّن في الترف وأحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمفرش وغيرها . ( جرجي زيدان ، تاريخ اللغة ، 82 ، 24 ) . - تطلق الحضارة على جملة معان خاصة تجتمع معا فيتألّف منها معنى الحضارة . ففي الناس طوائف تعيش في الغابات بعيدة عن